بصّيت لهالة، والصد,,مة لسه معلّقة في عيني، لكن جوايا كان فيه حاجة اتكسرت للأبد… حاجة خلتني أهدي بشكل غريب. ابتسمت. ابتسامة هادية جدًا… لدرجة إن هالة نفسها اتلخبطت وسكتت نص كلمة. وأمي رفعت عينيها تبصلي لأول مرة من ساعة ما دخلوا. قلت بهدوء: — “خلصتي؟” هالة اتنرفزت من هدوئي أكتر: — “آه خلصت! وهقول أكتر كمان! اللي زيك ميعرفش يعني إيه ست محافظة على بيتها وجوزها!” هزّيت راسي وأنا ببص لها نظرة طويلة قوي… نظرة خلتها تتراجع خطوة من غير ما تحس.
بعدها مشيت ناحية الدولاب الصغير اللي جنب التلفزيون، وفتحته بهدوء. طلّعت ملف بني قديم. ورجعت وقعدت على الكرسي قدامهم. هالة بصتلي باستغراب: — “إيه ده؟” فتحت الملف، وطلّعت منه شوية ورق وصور. وحطيتهم قدامها على الترابيزة. — “اتفضلي يا ست هالة… شوفي.” مدّت إيدها بعصبية، وأول ما عينيها وقعت على الصور… وشها سحب دمه كله. إيديها بدأت ترتعش. وأمي قربت منها تبص. ثانية…
اتنين… وفجأة أمي شهقت: — “يا ساتر يا رب!” هالة قامت واقفة بسرعة كأنها اتلسعت: — “إنتي جبتي الصور دي منين؟!” بصّيت لها ببرود: — “من جوزك.” الصمت نزل على المكان تقيل. هالة فتحت بوقها ومعرفتش تنطق. وأنا كملت: — “الراجل اللي بيمـ,ـوت فيكي… واللي بيتعب علشان ابنه… واللي شايف نفسه أعلى مني علشان مطلقتش… بقاله سبع شهور متجوز عليكي عرفي.” أمي حطّت إيدها على قلبها: — “إيه؟!”
هالة صرخت: — “كدب! مستحيل!” ضحكت بسخرية: — “مستحيل؟ طب شوفي الصور كويس.” كانت صور لمحمود… جوزها… داخل شقة مع ست أصغر منها بكتير. وصور تانية وهو ماسك إيدها في كافيه. وصورة لعقد عرفي. هالة كانت بتبص كأن روحها بتتسحب منها. وقبل ما تتكلم، طلعت ورقة تانية. — “وده تحويل بخمسين ألف جنيه من حسابه.” أمي سألت بخضة: — “راحوا لمين؟” بصيت لهالة: — “للعروسة الجديدة.”
هالة وقعت على الكنبة كأن رجليها شالوا منها. وشها بقى أصفر. وعينيها تايهة. أنا سكتّ شوية… وسيبت الوجع ياكل فيها. بعدها قلت بهدوء قاتـ,ـل: — “عارفة بقى ليه مستميتة على شقتي؟” رفعت عينيها لي وهي بتتنفس بالعافية. — “علشان جوزك غرقان في الديون… والشقة كانت طوق النجاة الوحيد ليكي.” أمي بصتلها بصدمة: — “يا هالة… الكلام ده صح؟” هالة انف,,جر,,ت في العياط. عياط,, ه,,ستيري.
وشها اتدفـ,ـن في إيديها وهي بتقول: — “أنا كنت خايفة… كنت مر,,عوبة يا أمي… محمود بقى شخص تاني… والدائنين كل يوم على الباب… وهو قالي لو وائل ملقاش سكن في القاهرة يبقى أسيبه يضيع… وأنا… أنا…” بصتلها وأنا حاسة بمرارة غريبة. دي نفس الست اللي من دقيقة كانت بتع,,ايرني بطلاقي. نفسها دلوقتي قاعدة مكسورة قدامي. لكن الغريب… إني ماحسّتش شماتة. حسّيت تعب بس. تعب سنين. أمي بدأت تعيط هي كمان: — “ليه يا بنتي مخبية علينا؟!”
هالة صرخت: — “علشان محدش بيساعد! علشان طول عمر الكل شايف لمياء الغلبانة المطلقة اللي لازم نقف جنبها… وأنا القوية اللي مستحملِة!” ضحكت ضحكة قصيرة مرة: — “القوية؟” بعدين بصيت مباشرة في عينيها: — “إنتي عمرك ما كنتي قوية يا هالة… إنتي كنتي بس متداريه في ضهر راجل.” الكلمة ضـ,ـربتها. بان عليها. وأنا كملت: — “أنا لما اطلقت كنت لوحدي… أبويا مات… وطليقي رمى بنته ومشي… والبنك بياكل نص مرتبي… ومع ذلك وقفت على رجلي.”
أشرت على الصور: — “لكن إنتي أول ما جوزك وقع… جيتي تاكلي حقي.” هالة كانت بتنهار حرفيًا. وأمي بصّتلي لأول مرة بنظرة مختلفة… نظرة فيها خجل. همست: — “إحنا ظلمناكي يا لمياء.” الكلمة دي… أنا استنيتها سنين. سنين كاملة. لكن لما سمعتها… محسّتش بالفرحة اللي كنت متخيلاها. حسّيت بوجع قديم بس. سكتّ شوية، وبعدها قومت وقفت. — “تعرفوا إيه أكتر حاجة وجعتني؟” بصوا لي.
قلت: — “مش إنكم عايزين الشقة.” بلعت ريقي بالعافية: — “اللي وجعني إنكم شايفين إني أقل… علشان مطلقة.” أمي نزلت دموعها. وهالة بصت في الأرض. — “طول عمري لما هالة تغلط… تسكتوا. لما تتجوز غني… تبقى هي الناجحة. لما أنا أتعب وأسدد وأربي بنتي لوحدي… يبقى ده عادي.” مشيت ناحية أوضة مريم وبصيت على الباب المقفول. — “لكن البنت اللي جوه دي… أنا ربيتها بكرامة. عمرها ما شافتني بسـ,ـرق حق حد. ولا بمد إيدي على حاجة مش بتاعتي.”
رجعت أبصلهم: — “وعلشان كده… مش هسمح لأي حد يهينني قدامها.” هالة قامت وقربت مني بخطوات مكسورة. ولأول مرة في عمرها… صوتها كان واطي. — “سامحيني يا لمياء.” بصّيت لها من غير رد. قالت وهي بتعيط: — “أنا كنت محروقة… وخايفة… ومش شايفة قدامي.” — “فجيتي تكسريني؟” هزّت راسها وهي بتبكي: — “غلطت.” وأمي قربت مني تمسك إيدي: — “حقك علينا يا بنتي.” سحبت إيدي بهدوء.
— “الحق مش بالكلام يا أمي.” سكتوا. وأنا كملت: — “أنا عمري ما اتأخرت عنكم… لما وائل تعب مين اللي دفع مصاريف المستشفى؟ لما محمود خسر شغله مين اللي سلفكم؟ لما بابا مات مين اللي شال البيت؟” أمي وشها اتغطى بالخجل. هالة كانت بتبكي أكتر. — “لكن أول ما احتجت احترام… محدش اداهولي.” في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح. مريم خرجت وهي مفزوعة من الصوت. بصّت لنا باستغراب: — “في إيه؟”
أول ما شافت دموع خالتها وجدتها… وقفت متلخبطة. قربت مني فورًا: — “ماما؟ حد زعلك؟” حـ,ـضنتها. حـ,ـضن طويل قوي. وشميت ريحتها اللي طول عمرها بتطمني. قلت لها وأنا بمسح على شعرها: — “لا يا حبيبتي… بس كنت بفهم ناس إن كرامتنا مش رخيصة.” مريم بصّت لهالة باستغراب، لكن ما اتكلمتش. هالة كانت باصة لمريم وعينيها مليانة ندم. يمكن لأول مرة تستوعب إن البنت اللي كانت شايفاها “عبء”… كبرت وبقت دكتورة محترمة.
وفجأة… هالة نزلت على ركبها قدامي. أنا اتصدمت. وأمي شهقت: — “يا بنتي!” لكن هالة مسكت إيدي وبدأت تبـ,ـوسها وهي بتعيط: — “سامحيني… والنبي سامحيني… أنا كنت عميانة.” شدّيت إيدي بسرعة وأنا متوترة: — “قومي يا هالة.” لكنها رفضت. — “حقك عليا… حقك عليا.” مريم كانت مصدومة. وأمي بتعيط بحرقة. أما أنا… فكنت واقفة حاسة إن كل سنين القهر قدامي دلوقتي. كنت أقدر أشمت.
أكسرها. أذلكها زي ما حاولت تذلني. لكن فجأة افتكرت نفسي يوم طلاقي… لما كنت مرمية ومكسورة ومحدش سندني. تنهدت طويل. وقلت: — “قومي يا هالة.” بصتلي بدموع. — “هسامحك… بس بشروط.” هزّت راسها بسرعة: — “أي حاجة.” — “أول حاجة… عمرك ما تعايريني بطلاقي تاني.” — “أبدًا.” — “ولا تبصي لبنتي إنها أقل من أي ولد.” أمي هي اللي ردت المرة دي وهي بتعيط: — “لا يا بنتي… والله لا.”
بصّيت لها نظرة طويلة. وبعدين قلت: — “آخر حاجة… محدش يدخل في مالي ولا بيتي ولا قراراتي تاني.” هالة هزّت راسها بسرعة: — “حقك.” سكتّ شوية. وبعدين قلت: — “ووائل… لو محتاج مساعدة في دراسته فعلًا… أنا هساعده.” هالة بصتلي بعدم تصديق. وأمي شهقت: — “بعد كل اللي حصل؟” ابتسمت بحزن: — “وائل ملوش ذنب.” هالة انهارت في العياط أكتر. لكن المرة دي… مكانش عياط تمثيل.
كان عياط حد اتعرّى قدام نفسه. بعد ساعة تقريبًا، كانوا بيمشوا. أمي وقفت عند الباب وبصّتلي: — “ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.” هزّيت راسي بس. أما هالة… فوقفت ثواني طويلة قبل ما تمشي. وقالت بصوت مبحوح: — “أنا طول عمري كنت فاكرة إنك أضعف مني.” سكتت شوية وبعدين كملت: — “بس طلعتي أقوى واحدة فينا كلنا.” ولأول مرة من سنين… حسّيت إن حد شافني بجد.
قفلت الباب وراهم. والشقة هديت. مريم قربت مني وقالت: — “إنتي كويسة؟” بصّيت لها… ولأول مرة من زمان قوي… ابتسمت من قلبي. — “آه يا مريم… دلوقتي بقيت كويسة.”

